وقال: {يا موسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} [النمل: 10] .
وقد قُصَّ هذا كله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فانتفع به ووثق في نصر الله ، فلما قال له الصِّديق وهما في الغار: يا رسول الله ، لو نظر أحدهم تحت قدميْه لرآنَا ، قال صلى الله عليه وسلم:"يا أبا بكر ، ما ظنُّك باثنين ، الله ثالثهما".
وحكى القرآن قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ...} [التوبة: 40] وما دُمْنا في معيَّة مَنْ لا تدركه الأبصار ، فلن تدركنا الأبصار .
ثم ينقل الحق - تبارك - وتعالى - موسى عليه السلام إلى آية أخرى تضاف إلى معجزاته: {اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ...} .
معنى {اسلك يَدَكَ ...} [القصص: 32] يعني: أدخلها {فِي جَيْبِكَ . .} [القصص: 32] الجيب: فتحة الثوب من أعلى ، وسَمَّوْها جَيْباً ؛ لأنهم كانوا يجعلون الجيوب مكان حِفْظ الأموال في داخل الثياب حتى لا تُسرق ، فكان الواحد يُدخِل يده في قبَّة الثوب لتصل إلى جيبه .
ونلحظ هنا دقة الأداء القرآني {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ ...} [القصص: 32] ولم يقُلْ بصيغة الأمر: وأخرجها كما قال {اسلك يَدَكَ ...} [القصص: 32] وكأن العملية عملية آلية منضبطة بدقة ، فبمجرد أن يُدخِلها تخرج هي بيضاء ، فكأن إرادته على جوارحه كانت في الإدخال ، أما في الإخراج فهي لقدرة الله .
وكلمة {بَيْضَآءَ ...} [القصص: 32] أي: مُنوّرة دون مرض ، والبياض لا بُدَّ أن يكون عجيباً في موسى - عليه السلام - لأنه كان أسمر اللون ؛ لذلك قال {مِنْ غَيْرِ سواء ...} [القصص: 32] حتى لا يظنوا به بَرصاً مثلاً ، فهو بياض طبيعي مُعْجِز .