ومعنى {ولى مُدْبِراً . .} [القصص: 31] يعني: انصرف خائفاً ، {وَلَمْ يُعَقِّبْ . .} [القصص: 31] لم يلتفت إلى الوراء ، فناداه ربه: {يا موسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ ...} [القصص: 31] يعني: ارجع ولا تخَفْ من شيء ، ثم يعطيه القضية التي يجب أن تصاحبه في كل تحركاته في دعوته {إِنَّكَ مِنَ الآمنين} [القصص: 31] فلم يقل ارجع فسوف أؤمنك في هذا الموقف إنما {إِنَّكَ مِنَ الآمنين} [القصص: 31] .
يعني: هي قضية مستمرة ملازمة لك ؛ لأنك في مَعيّة الله ، ومَنْ كان في معية الله لا يخاف ، وإلا لو خِفْتَ الآن ، فماذا ستفعل أمام فرعون .
وهكذا يعطي الحق - سبحانه وتعالى - لموسى - عليه السلام - دُرْبة معه سبحانه ، ودُرْبة حتى يواجه فرعون وسَحرته والملأ جميعاً دُرْبة مع سبحانه ، ودُرْبة حتى يواجه فرعون وسَحرته والملأ جميعاً دون خوف ولا وَجَل ، وليكون على ثقة من نصر الله وتأييده في جولته الأخيرة أمام فرعون .
وقد انتفع موسى - عليه السلام - بكل هذه المواقف ، وتعلَّم من هذه العجائب التي رآها فزادتْه ثقةً وثباتاً ؛ لذلك لما كاد فرعون أنْ يلحقَ بجنوده موسى وقومه ، وقالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] استعاد موسى عليه السلام قضية {إِنَّكَ مِنَ الآمنين} [القصص: 31] فقال بملء فيه: {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] .
فحيثية الثقة عند موسى - عليه السلام - هي معيّة الله له ، قالها موسى ، ويمكن أنْ تكذب في وقتها حالاً ، فهاجم البحر من أمامهم ، وفرعون من خلفهم ، لكنها ثقة مَنْ أمَّنه الله ، وجعله في معيَّته وحِفْظه .
وهذا الأمن قد كفله الله تعالى لجميع أنبيائه ورسله ، فقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171 - 173] .