وذكر بعض السلفيين أنه عليه السلام إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت منكر الظهور في المظاهر عادّاً القول به من أعظم المناكر ، ولابن القيم كلام طويل في تحقيق ذلك ، وقد قدمنا لك في المقدمات ما يتعلق بهذا المقام فتذكر والله تعالى ولي الأفهام ، وقال الحسن: إنه سبحانه نادى موسى عليه السلام نداء الوحي لا نداء الكلام ولم يرتض ذلك العلماء الأعلام لما فيه من مخالفة الظاهر وأنه لا يظهر عليه وجه اختصاصه باسم الكليم من بين الأنبياء عليهم السلام ، ووجه الاختصاص على القول بأنه سمع كلامه تعالى الأزلي بلا حرف ولا صوت ظاهر ، وكذا على القول بأنه عليه السلام سمع صوتاً دالاً على كلامه تعالى بلا واسطة ملك أو كتاب سواء كان من جانب واحد لكن بصوت غير مكتسب للعباد على ما هو شأن سماعنا أو من جميع الجهات لما في كل من خرق العادة ، وأما وجهه عند القائلين بأن السماع كان بعد التجلي في المظهر فكذلك أيضاً إن قالوا بأن هذا التجلي لم يقع لأحد من الأنبياء عليهم السلام سوى موسى.
ثم إن علمه عليه السلام بأن الذي ناداه هو الله تعالى حصل له بالضرورة خلقاً منه سبحانه فيه ؛ وقيل: بالمعجزة ، وأوجب المعتزلة أن يكون حصوله بها فمنهم من عينها ومنهم من لم يعينها زعماً منهم أن حصول العلم الضروري ينافي التكليف ، وفيه بحث.
{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} عطف على {أن يا موسى} [القصص: 30] والفاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ} فصيحة مفصحة عن جمل حذفت تعويلاً على دلالة الحال عليها وإشعاراً بغاية سرعة تحقق مدلولاتها أي فألقاها فصارت حية فاهتزت فلما رآها تهتز وتتحرك {كَأَنَّهَا جَانٌّ} هي حية كحلاء العين لا تؤذى كثيرة في الدور ، والتشبيه بها باعتبار سرعة حركتها وخفتها لا في هيئتها وجثتها.