ثم يدعوه سبحانه وتعالى إلى أن يضبط نفسه ويتجلد، ويسلك مسلك أولي العزم من الرسل، فلا يجزع ولا يخاف، لأن العناية الإلهية ستحيطه كما أحاطتهم بخفي الألطاف، وهذا ما يشير إليه الخطاب الإلهي الموجه إلى موسى إذ يقول: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} .
ثم كشف الخطاب الإلهي عن السر فيما آتاه الله لموسى الكليم، من الرعاية والتكريم، إذ قال تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} ، إ شارة إلى أن تحويل عصا موسى بأمر الله إلى حية تسعى في الوقت المناسب، وتحويل يده من حالتها الطبيعية، إلى يد بيضاء تتلألأ، لها شعاع وبريق، إنما هما برهانان على صدق رسالته، وصحة نبوته، اكرمه الله بهما ليتغلب على عناد فرعون ومغالطته، عندما يقبل على مخاطبته، ويتوجه إليه بدعوته، وعقب كتاب الله على هذا القرار الإلهي الحكيم بأن فرعون وملأه قد جاوزوا الحدود في تصرفاتهم ومعاملاتهم وحياتهم الخاصة والعامة، فلا بد من أن يوجه إليهم الإنذار الأخير، قبل الاعذار وسوء المصير {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} .
والآن وقد سُرِّي عن موسى ووعى خطاب ربه، وأدرك مبلغ العبء الثقيل الذي وضعته الأقدار الإلهية على عاتقه، أخذ يتعلل
بكل وجه، رجاء أن يعفى من تكاليف التبليغ، ومواجهة طاغية كبير يضرب به المثل في العدوان والطغيان في كل الأزمان {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} .
ثم تعلل بكونه ليس فصيح اللسان، ولا قوي التعبير والبيان، كأخيه هارون، وكأنه يشير من طرف خفي إلى ترشيح أخيه بدلا منه لهذه المهمة الخطيرة، وذلك قوله فيما حكاه عنه كتاب الله: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} .
ثم يقول متلطفا متعقبا: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِداً (رِدْءًا) يُصَدِّقُنِي} والردء: بمعنى المعين، {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} . لكن الحق سبحانه وتعالى أكد تكليف موسى بالذهاب إلى فرعون، وأنعم عليه في نفس الوقت بالتصديق على مؤازرة أخيه هارون فيما وكله إليه {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} .