ومعنى {تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} فارق موقع السقي المعرض لأشعة الشمس، والتجأ إلى ظل ظليل، اتقاء لشدة الحر، واستجماما من عناء السفر الطويل.
وبعدما تنفس موسى الصعداء، من ألم الجوع وشدة الإعياء، وهو وحيد فريد، توجه مرة أخرى إلى ربه الذي نجاه من القوم الظالمين، يسأله الرفد والمدد، والعطاء الذي لا ينفد {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} .
والظاهر أن المرأتين اللتين أسعفهما موسى وسقى لهما استرق سمعهما ما تردد على لسانه من التوجه إلى الله، وكان موسى يعتقد أنه لم يسمع أحد صداه، فغلب على ظنهما أن موسى جائع يحتاج إلى ما يسد رمقه، لكنه يتعفف ولا يصرح بالسؤال، وأخبرتا والدهما"بعابر السبيل"الذي وفد على بلدهما، وما يبدو عليه من جميل الخصال وتبدل الأحوال، فقال لهما
أبوهما (صالح مدين وشيخها الكبير) :"إذا هو جائع وينبغي إطعامه".
ولو عرفتا موسى حق المعرفة لأدركتا أن همته العالية لا تهتم بالعيش الهنيء، والتمتع بأسباب الرفاهية، وإنما أراد بتوجهه إلى الله ومناجاته إياه إذ قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} : أن الخير الذي أسديته إلي يا إلهي عندما نجيتني من القوم الظالمين وحررتني من رق فرعون، منة كبرى طوقت بها عنقي، لا يقوم بحقها أي شكر، وما ينعم به آل فرعون من شفوف وثروة وهناء، لا يساوي عندي شربة ماء، إذ هو في الحقيقة عين الذل والفقر والشقاء، و"الفقر"في حمى الخالق هو"الغنى"على وجه التحقيق {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] أما الغنى في حمى المخلوق فهو الفقر الذي لا فقر بعده.