فلشد ما جاوزت قدرك صاعد ولشدّ ما قربت عليك الأنجم
فقد عنى بالأنجم أبيات شعره ويقول: ما أشد ما تجاوزت قدرك حتى بعثت تسألني المديح ومسألتك إياي مدحك تجاوز منك لقدرك حين طلبت أن تهبط الأنجم من سمواتها لتكون قريبة منك ، وهذا البيت من أمض الهجاء وأقذعه وهو من قصيدة لأبي الطيب المتبني فقد سافر من الرملة يريد أنطاكية فنزل بطرابلس وبها إسحاق بن إبراهيم الأعور بن كيغلغ وكان جاهلا يجالسه ثلاثة نفر من بني حيدرة ، وكان بينه وبين أبي الطيب عداوة قديمة فقالوا له أتحب أن يتجاوزك ولا يمدحك ، وجعلوا يغرونه فراسله أن يمدحه فاحتج عليه بيمين لحقته لا يمدح أحدا إلى مدة ، فعاقه عن طريقه ينتظر المدة ، وأخذ عليه الطريق وضبطها ، ومات النفر الثلاثة الذين كانوا يغرونه في مدة أربعين يوما فهجاه أبو الطيب المتنبي وأملاها على من يثق به ، فلما ذاب الثلج
خرج كأنه يسير فرسه وسار إلى دمشق فأتبعه ابن كيغلغ خيلا ورجلا فأعجزهم وظهرت القصيدة وأولها:
لهوى النفوس سريرة لا تعلم عرضا نظرت وخلت أني أسلم
ومن أبياته الحكيمة فيها:
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى يققا يميت ولا سوادا يعصم
والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبيّ ويهرم
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلق ينسى الذي يولى وعاف يندم
لا يخدعنّك من عدوّ دمعه وارحم شبابك من عدوّ ترحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتّى يراق على جوانبه الدّم
والظلم من شيم النفوس فإن تجد داعفة فلعلّة لا يظلم
ثم تطرق إلى هجاء ابن كيغلغ فقال وأقذع:
يحمي ابن كيغلغ الطريق وعرسه ما بين رجليها الطريق الأعظم
أقم المسالح وق شفر سكينة إن المنيّ بحلقتيها خضرم
وارفق بنفسك إنّ خلقك ناقص واستر أباك فإنّ أصلك مظلم
واحذر مناوأة الرجال فإنما تقوى على كسر العبيد وتقدم