والسورة وإن كانت مدنية فإن المشركين لم يزالوا يُلقون الشبه فِي صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة بواسطة المنافقين.
وقد دل على هذا المعنى قوله بعده: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا} إلى قوله: {ويهدي به كثيراً} .
فإن قيل: لم يكن الرد عقب نزول الآيات الواقع فيها التمثيل الذي أنكروه فإن البدار بالرد على من فِي مقاله شبهة رائجة يكون أقطع لشبهته من تأخيره زماناً.
قلنا: الوجه فِي تأخير نزولها أن يقع الرد بعد الإتيان بأمثال معجبة اقتضاها مقام تشبيه الهيآت، فذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة فيظنه ناس جبناً فيسرها الأول فِي نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه.
فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها وهي قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد} [البقرة: 17] {أو كصيب} [البقرة: 19] الآيات وقوله: {صم بكم عمي} [البقرة: 18] أتى إثر ذلك بالرد عليهم فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي قبلها وقد غفل عن بيانه المفسرون. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 352 - 354}