فقال تعالى: {إن الله} أي المحيط بكل شيء جلالاً وعظمة وكمالا {لا يستحيي} أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه.
والحياء قال الحرالي انقباض النفس عن عادة انبساطها فِي ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصاً حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن {أن} كلمة مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها ، وسيبويه رحمه الله يراها اسماً ، وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم يرونها حرفاً {يضرب} من ضرب المثل وهو وقع المثل على الممثل ، لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء ، والمعنى أن يوجد الضرب متجدداً مستمراً وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه مثلاً ، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق ، وتحقيقه أن المصدر لا يقع إلا على كمال الحقيقة من غير نظر إلى زمان ولا غيره وأما بفعل فإنه يفهم إيقاع الحقيقة من غير نظر أيضاً إلى زمان ، وبفهمها مع النظر إلى الزمان مع التجدد والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل كمالها عند الشروع فيها وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي: إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه فِي الباطن ، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول ، فنفى الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق ، فليراجع هذا المعنى مع تكرار كلمة"إن"فإنها كثيرة الدور فِي القرآن جليلة قدر المعنى فِي مواقعها ، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة فِي معنى التقريب إنّ أنّ والفعل فِي معنى المصدر ، والواجب فِي الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما ، وعند هذا يجب أن تكون أن اسماً والفعل صلتها نحو من وما {مثلاً ما} مثل أمر ظاهر للحس ونحوه ، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و"ما"فِي نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق ، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى.
ثم بين ذلك بقوله: {بعوضة} .