إذن: نستطيع الآن أنْ نُدخِل كل الوسائل الحديثة تحت {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .
وسبق أن قلنا: إن من عظمة الحق سبحانه وتعالى ألاَّ يُعلم بشيء لا اختيار للعبد فيه ، إنما بما له فيه اختيار ويفضحه باختياره ، كما حدث في مسألة تحويل القبلة: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142] .
فيعلنها الله تعالى صراحة ، ويُسمِّيهم سفهاء ؛ لأنهم يعادون الله ويعادون رسول الله ، وبعد هذه الخصومة وهذا التجريح قالوا فعلاً ما حكاه القرآن عنهم .
ولم نَرَ منهم عاقلاً يتأمل هذه الآية ، ويقول: ما دام أن القرآن حكى عنا هذا فلن نقوله ، وفي هذه الحالة يجوز لهم أنْ يتهموا القرآن وينالوا من صِدْقه ومن مكانة رسول الله ، لكن لم يحدث وقالوا فعلاً بعد نزول الآية:
{مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142] يعني: تركوا التوجه إلى بيت المقدس وتوجهوا إلى مكة ، قالوه مع ما لهم من عقل واختيار .
وهذه المسألة حدثتْ أيضاً في شأن أبي لهب لما قال الله عنه: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 13] .
لأنه قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمعهم ليبلغهم دعوة الله ، فقال له: تباً لك ألهذا جمعتنا . وأبو لهب عم رسول الله ، كحمزة والعباس ولم يكن رسول الله يدري مستقبل عمه ، فلعله يؤمن كما آمن حمزة وصار أسد رسول الله ، وكما آمن العباس بن عبد المطلب .
فلما نزلت {تَبَّتْ يَدَآ} [المسد: 1] كان بإمكانه أنْ يُكذِّبها وأن يؤمن فينطق بالشهادتين ولو نفاقاً ، فله على ذلك قدرة ، وله فيه اختيار ، لكنه لم يفعل .