و (مِنْ) هنا يرى البعض أنها زائدة ، لكن كلمة زائدة لا تليق بأسلوب القرآن الكريم وفصاحته ، ونُنزِّه كلام الله عن الحشو واللغو الذي لا معنى له ، والبعض تأدب مع القرآن فقال (من) هنا صلة ، لكن صلة لأي شيء؟
إذن: لا بد أن لها معنى لكي نوضحه نقول: إذا أردتَ أنْ تنفي وجود مال معك تقول: ما عندي مال ، وهذا يعني أنه لا مالَ معك يُعتَدّ به ، ولا يمنع أن يكون معك مثلاً عدة قروش لا يقال لها مال ، فإن أردتَ نفي المال على سبيل تأصيل العموم في النفس تقول: ما عندي من مال ، يعني بداية ممَّا يُقال له مال مهما صَغُر ، فمِنْ هنا إذن ليست زائدةً ولا صلةً ، إنما هي للغاية وتأصيل العموم في النفي .
فالمعنى {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السمآء والأرض إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 75] أن الله تعالى يحيط علمه أزلاً بكل شيء ، مهما كان صغيراً لا يُعتدُّ به ، واقرأ قوله تعالى:
{وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] .
كما أن قدرته تعالى لا تقف عند حد العلم إنما ويسجله {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 75] أي في أُمِّ الكتاب الذي سجَّل الله فيه كل أحداث الكون ، فإذا ما جاءتْ الأحداث نراها مُوافِقة لما سجّله الله عنها أَزَلاً ، فمثلاً لما ذكر الحق تبارك وتعالى وسائل النقلِ والمواصلات في زمن نزول القرآن قال: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .
فلولا تذييل الآية بقوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] لكان فيها مأخذ على القرآن ، وإلاَّ فأين السيارة والطائرة والصاروخ في وسائل المواصلات؟