إذن: من عظمة كلام الله ومن وجوه الإعجاز فيه أنْ يحكم حكماً على مختار كافر به ، وهو قرآن يُتْلَى علانيةً على رؤوس الأشهاد ، ومع ذلك لا يستطيع التصدِّي له ، ويبقى القرآن حُجَّة الله على كل كافر ومعاند .
ولما نتأمل قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] نرى أن الحق سبحانه أنزل القرآن وتولَّى حفظه بنفسه سبحانه وتعالى ولم يُوكله إلى أحد ، مع أن في القرآن أشياء وأحداثاً لم توجد بعد ، فكأن الله تعالى يحفظها على نفسه ويُسجِّلها ويعلنها ، لماذا؟ لأنها ستحدث لا محالة .
فالحق سبحانه لا يخشى واقع الأشياء ألاَّ تطاوعه ؛ لأنه مالكها ، ألاَ ترى أن الإنسان يحفظ (الكمبيالة) التي له ، ولا يهتم بالتي عليه؟ أما ربُّنا عز وجل فيحفظ لنا الأشياء وهي عليه سبحانه وتعالى .
واقرأ إن شئت: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45] فالله يُسجِّلها على نفسه ويحفظها ؛ لأنه القادر على الإنفاذ ، وفعلاً هُزِم الجمع وولَّوْا الأدبار وصدق الله .
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)
فَرْق بين أن تخاطب خاليَ الذهن ، وأنْ تخاطب مَنْ لديه فكرة مُسْبقة ، فخالي الذهن يقبل منك ، أما صاحب الفكرة المسْبقة فيعارضك ، كذلك جاء من الكفار ومن أهل الكتاب من يعارض كتاب الله وينكر ما جاء به ، ومع أنهم أعداء الإسلام وكارهون له لكْن إنْ سألتَهم عما أخبر به القرآن يقولون: نعم نعرف هذا من كتبنا {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} [البقرة: 89] .