يا نفس .. أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة، ولا يتوقف على سن دون سن، وكل ما هو آت قريب، فمالك لا تستعدين للموت وهو قريب؟
يا نفس .. أما تعلمين أنك صائرة إلى الجنة أو النار، فكيف يلهو من لا يدري إلى أيتهما يصير، وربما اختطف في يومه أو غده؟.
يا نفس .. إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك، فما أعظم كفرك، وإن كنت تعلمين أنه يراك فما أشد جهلك، وما أقل حياءك.
يا نفس .. إن كان المانع لك من لزوم الاستقامة حب الشهوات فاطلبي الشهوات الباقية الصافية من الكدر.
يا نفس .. ألم الصبر عن الشهوات أشد وأطول أم ألم النار في الدركات؟
يا نفس .. جوار رب العالمين لا يعدله جوار، فاعملي في أيام قصار لأيام طوال، واخرجي من الدنيا خروج الأحرار، قبل أن يكون خروج اضطرار.
واعلمي أن من كانت مطيته الليل والنهار سير به وإن لم يسر.
وكل فساد في الدنيا إنما يحصل حينما لا يتوقع الفرد أو المجتمع حساباً، أما إذا توقع المجتمع حساباً فهنا ينتظم الأمر، وتصلح أحوال الأمة.
والمحاسب في المجتمع:
إما الحاكم الذي نصبه الله ليقيم شرعه في الأمة.
أو المجتمع الذي يحاسب صاحب الجريمة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
أو النفس التي تحاسب صاحبها وتلومه وتؤنبه، أو الاعتقاد أنه محكوم أمام عيني خبير لا تخفى عليه خافية، لا يستطيع أن يستتر عنه أحد، وأنه يراقبني وسوف يحاسبني على ما عملت.
فمن لا يرجو حساباً .. ولا يتوقع سؤالاً في الدنيا والآخرة، فإنه يفسد ويهمل العمل للآخرة كما قال سبحانه: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) } [النبأ: 21 - 28] .
والمحاسبة لها ثلاثة أركان:
أحدها: أن تقايس بين نعم الله عليك وبين جنايتك، وما من الله وما منك، فيظهر لك حينئذ التفاوت، وتعلم أن ليس إلا عفوه ورحمته، أو الهلاك والعطب.