وإذا غاب العبد عن الشعور بالموجودات، فإنه لا يغيب عن مشاهدة جلال وجمال الذات، الباعثين للخوف والرجاء. وإذا لم يشهدهما وزعم أنه يشهد الذات مجرداً .. فإنه لم يكن في الحقيقة مشاهداً، بل كان غافلًا معطلاً جامداً.
وأما غيبوبة العابد عن نفسه - إن كانت - فإنها حالة عارضة غير ثابتة، وليست مشروعة لا بنص من آية ولا من حديث، فضلاً عن أن تكون فاضلة كاملة.
فالحديث دل على المراقبة والمشاهدة الشرعيتين، اللتين يكون العبد عابدا ًالعبادة الشرعية، الموضوعة على الرجاء والخوف حسب الأدلة المتقدمة.
13 -ونقل كلام ابن سينا في كتاب الإشارات وكلام شراحه، وهو مثل ما تقدم لنا إبطاله بأدلة الكتاب والسنة، والشرح بهما لمعنى العبادة المشروعة.
وإذا كنا نبحث عن العبادة التي شرعها الله لعباده على لسان رسوله .. فإننا لا نعرفها إلاّ من الكتاب والسنة، وقد قدمنا من أدلتها ما جلى المسألة للعيان، وأغنى فيها عن كل كلام.
الخلاصة:
1 -إن العبادة المشروعة هي القصد إلى الطاعة، مع الشعور بضعف العبد وذله، وحاجته وفقره، ومشاهدته لجلال ربه وقدرته وعزته، وجماله وفضله ورحمته؛ فيكون بتلك المشاهدة خائفاً من عقابه أو مؤاخذته راجياً لثوابه وانعامه.
2 -وإن هذه العبادة هي عبادة الكُمَّلِ من عباد الله الذين وصفهم بأفضل صفاتهم في كتابه، وهي عبادة أنبيائه ورسله، الذين ذكر عبادتهم القرآن، وهي عبادة محمد - صلى الله عليه وآله رسلم - التي دلت عليها صحاح الأثار، وعبادة أصحابه الثابتة النقول.
3 -وخلصنا من هذا إلى أن العبادة المجردة من الخوف والرجاء - منافية لصدق مشاهدة الجلال والجمال، مخالفة لعبادة الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين. وأنه لم يرد فيها نص صريح من كتاب أو سنة، مثل واحد من الأدلة المتقدمة المتكاثرة.
وأنها ما دامت كذلك ليس لنا أن نعدها مشروعة، فضلاً عن أن نعدها كاملة، فضلاً عن أن ندعي أنها أكمل؛ لأن مشروعية الشيء لا تثبت إلاّ بدليل صحيح صريح.
وأتى لنا ذلك في العبادة المجردة عن الرجاء والخوف؟!
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والحمد لله رب العالمين.
غرة رمضان 1351 هـ.
الصفة الخامسة: