وقوله تعالى فيها: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] . طلباً كذلك، فليتفقه المتفقهون في كلام رب العالمين.
4 -ونقل كلام الإمام الرازي في باب المحبة قوله:
«وأما العارفون، فقد قالوا: يحب الله تعالى لذاته، وأما حب خدمته وحب ثوابه فدرجة نازلة» .
ونحن نقول: إن الذات الأقدس الموصوف بالكمالات، المفيض للإنعامات .. تتعلق به قلوب المحبين، موصوفاً بكمالاته وإنعاماته التي منها ثوابه وجزاؤه، وتلك المحبة تبعث على خدمته بطاعته، والتقرب إليه بأنواع العبادات.
وأما عبادة الذات مجرداً عن الإنعامات - فهو نوع من التعطيل في الاعتقاد، والتقصير في الشهود.
وإذا كانت المحبة عملًا من أعمال العبد القلبية التي يتقرب بها إلى الله .. فهي عبادة.
وقد بينا بالأدلة المتقدمة أن العبادة في الإسلام، موضوعة على مصاحبة الرجاء والخوف، والمحب للرب ذي الجلال والإكرام، والبطش والإنعام - لا يغيب عن إجلاله بالخوف والتذلل له بالطمع، كحاله في سائر العبادات.
5 -ونقل من كلام النيسابوري قوله: «المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة» .
ونرد عليه:
(أ) فإن كان مراده: أن نظرهم على المعبود أي اعتمادهم في القبول على المعبود لا على العبادة - فهذا حق، وليس كلامنا فيه.
(ب) وإن كان مراده: أن نظرهم على المعبود أي توجههم إلى المعبود دون العبادة - فهذا أيضاً حق؛ لأن العبادة متوجه بها إليها، وليس كلامنا في هذا.
(ج) وإن كان مراده: دون تقرب بالعبادة، فهذا باطل، لأن الله تعالى قال: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي ما يقربكم إليه من طاعته.
(د) وإن كان مراده: دون شعور بالعبادة، فهذا أيضاً باطل؛ لأن العابد ينوي العبادة ويقصد بها القربة، ويتوجه بها مخلصاً فيقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فكيف يكون لا شعور له بها؟
وأما قوله: «وعلى المنعم لا على النعمة» .
(أ) فإن أراد: أن المتقرب إليه هو الله المنعم دون النعمة - فهذا حق، وليس كلامنا فيه.