أخرج أحمد، والبزار والبيهقي، وغيرهم قال السيوطي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"إن أول ما يكسى حلته من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم. حتى يقف على الناس، فيقول: يا ثبوراه ويقولون: يا ثبورهم، فيقال لهم لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، وادعوا ثبوراً كثيراً"ثم وبخهم الله سبحانه توبيخاً بالغاً، على لسان رسوله فقال:
(قل أذلك) أي السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة (خير أم جنة الخلد) وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها. وعدم انقطاعه. والمجيء بلفظ (خير) هنا مع أنه لا خير في النار أصلاً لأن العرب قد تقول ذلك. ومنه ما حكاه سيبويه عنهم، أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه. وقيل ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو كقولك عنده خير قال النحاس وهذا قول حسن.
(التي وعد) أي وعدها (المتقون) فالراجع إلى الموصول محذوف ثم قال سبحانه (كانت) أي تلك الجنة (لهم) أي للمتقين (جزاء) على أعمالهم (ومصيراً) يصيرون إليه وهذا في علم الله، أو في اللوح المحفوظ قبل خلقهم بأزمنة متطاولة، أو قال ذلك لأن ما وعد الله به فهو في تحققه كأنه قد كان.
(لهم فيها) أي في الجنة (ما يشاءون) أي ما يشاؤونه من النعم، وضروب الملاذ كما في قوله ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم. ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبتها، لأن الظاهر أن الناقص لا يدرك شيئاً مما هو للكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، قال الشهاب: وإنه تعالى لا يلقي في خواطرهم أن ينالوا رتبة من هو أشرف منهم، ولا يتلفتوا إلى حال غيرهم (خالدين) أي في نعيم الجنة ومن تمام النعيم أن يكون دائماً إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم وقد تقدم تحقيق معنى الخلود.