وهذه الطريقة في تحديد المخارج من ابتكار الخليل، قال الليث وهو يحكي صنيعه في ذوق الحروف: «وإنما كان ذواقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ثم يظهر الحرف، نحو: اب، ات، اح، اع، اغ.»
وتقوم هذه الطريقة على أمرين:
الأول: نطق الحرف ساكنا.
والآخر: اجتلاب همزة وصل قبله.
فأما الأمر الأول، وهو نطق الحرف ساكنا، فلأنه أكثر إعانة على تحديد المخرج، لما فيه من التلبث الذي يتيح للمجرّب فرصة التأمل، ولما في الحركة من إقلاق للحرف وانحراف به عن موضعه. قال ابن جني: «وإنما سميت هذه الأصوات الناقصة حركات، لأنها تقلق الحرف الذي تقترن به، وتجتذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها.»
وأما الأمر الآخر، وهو اجتلاب همزة وصل قبل الحرف وهو ساكن، فلأن هذا من سنن العرب في كلامها الذي لا تستطيع عنه مصرفا. قال سيبويه:
«قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في (لك) والكاف التي في (مالك) ، والباء التي في (ضرب) ؟ فقيل له: نقول: باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال:
أقول: كه، وبه. فقلنا: لم ألحقت الهاء؟ فقال: رأيتهم قالوا: عه، فألحقوا هاء حتى صيّروها يستطاع الكلام بها، لأنه لا يلفظ بحرف. فإن وصلت قلت: ك وب فاعلم يا فتى، كما قالوا: ع يا فتى.
فهذه طريقة كل حرف كان متحركا، وقد يجوز أن يكون الألف هنا بمنزلة الهاء، لقربها منها وشبهها بها، فتقول: با وكا، كما تقول: أنا ...
ثم قال: كيف تلفظون بالحرف الساكن نحو ياء (غلامي) ، وباء (اضرب) ، ودال (قد) ؟ فأجابوا بنحو مما أجابوا في المرة الأولى، فقال: أقول: إب، وإي، وإد، فألحق ألفا موصولة. قال: كذاك أراهم صنعوا بالساكن؛ ألا تراهم قالوا: