وفي هذا النص دعاهم إلى التقدُّم برقيق القول إرشادًا لسبيل الدعوة ؛ إذ هي تكون بالتي هي أحسن ليلين الطاغي وليسكن الناقر ، وقد أبديا لله سبحانه الخوف من أن يطغى ، فوعدهما سبحانه بأنه سيكون معهما ، وقد سبق القول بسابغ نعمه وصادق وعده ، وكان لا بُدَّ من ذكر ذلك عند دعوتهما إلى ذلك الإقدام الخطير.
وقد كانت إجابة فرعون أن سألهما عن ربهما ، فأجابا قائلًا أحدهما ومصدقًا من الآخر: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 50 - 54] .
وأخذا يذكران أسباب الهداية مبينين حقائق الوجود كله ، ولما تقدَّم موسى له بالعصا التي قُلِبَت ثعبانًا مبينًا ، وقال - سبحانه وتعالى: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} [طه: 57 ، 58] . التقى السحرة وموسى ، ووقعت المعارك بين الحق يؤيده الله ، والسحر يؤيده الباطل ، والله يطمئن عبده الرسول وقد رأى السحرة ، فيقول له: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طه: 68] .