{وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً} [نوح: 23] ودينهم باقٍ إلى الآن. والدين الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت فِي هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيمتنع إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك. والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وكذا الملائكة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته، فعلى هذا السبب فِي عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه. وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة فِي الدنيا بكيفية وقوعها فِي طوالع الناس، بالغوا فِي تعظيمها. فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها. ثم لما رأوا الكواكب مستترة فِي أكثر الأوقات عن الأبصار، اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة. ولما طالت المدة تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء بالحقيقة عبدة الكواكب. وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يرتقبون أوقاتاً فِي السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتخذ طلسماً فِي ذلك الوقت على وجه خاص