{قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ} في الدنيا {إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} قدر لبثكم فيها {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} أي لعباً وباطلاً لا لحكمة ، والعبث: العمل لا لغرض ، وهو نصب على الحال عن سيبويه وقطرب ، مجازه: عابثين ، أبو عبيد: على المصدر ، بعض نحاة الكوفة: على الظرف أُي بالعبث ، بعض نحاة البصرة: للعبث . {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} .
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:"يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم فما خُلق أمرؤ عبثاً فيلهو ولا أُهمل سُدىً فيلغو".
وأخبرني محمد بن القاسم بقراءتي عليه قال: حدَّثنا أبو بكر محمد بن محمد بن نصر قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا ابن شعيب الحرّاني قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله ابن الضحاك قال: سمعت الأوزاعي يقول: بلغني أنّ في السماء ملكاً ينادي كل يوم: ألا ليت الخلق لم يخلقوا ، وياليتهم إذ خُلقوا عرفوا ما خُلقوا له وجلسوا فذكروا ما عملُوا.
فصل في ذكر وجوه الحكمة في خلق الله سبحانه الخلق
قال المحقّقون: خلق الله سبحانه الخلق ليدلّ بذلك على وجوده وكمال علمه وقدرته ، إذ لو لم يخلق لم يكن لوجوده معنى.
وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدَّثنا محمد بن يزيد قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا ابن عُليّة عن منصور بن عبد الرَّحْمن قال: قلت للحسن البصري في قوله سبحانه {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119] .
قال: الناس مختلفون على أديان شتّى إلاّ من رحم ربك ، ومن رحم ربك غير مختلف.
فقيل له: ولذلك خلقهم؟.
قال: نعم ، خلق هؤلاء لجنّته وخلق هؤلاء لناره ، وخلق هؤلاء لرحمته وخلق هؤلاء لعذابه.