ثم قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا} .
أي: كان جماعة من عبادي ، وهم أهل الإيمان بالله.
قال مجاهد: هم صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين ، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم ، وكانوا يقولون ربنا آمنا . فاغفر لنا ذنوبنا ، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء . {فاتخذتموهم سِخْرِيّاً} أي جعلتم تهزءون منهم.
هذا على قراءة من كسر السين/ ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم.
هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب.
وهو قول الحسن وقتادة . وهما لغتان عند الكسائي والفراء.
بمعنى الهزء ، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لاغير ، نحو:
{لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف: 32] ، ثم قال: {حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} .
أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه.
قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله ، وقرأ:
{إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} . . إلى قوله . . {لَضَالُّونَ} [المطففين: 29 - 32] . ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس} [إبراهيم: 36] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس . الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام ، فكذلك أنسوكم ذكري ، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك ، أي تركوه.
قوله تعالى ذكره: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا} . إلى آخر السورة
أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً يصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار ، الفوز وهو النجاة من النار ، والخلود في الجنة.