وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ماهو به من هيئته . فكذلك معنى {فأنى تُسْحَرُونَ} أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً ، والفاسد صحيحاً ، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم ، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذبهم ، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم ، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه ، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها ، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون ، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم ، وإقامة حجة الله عليهم ، ومناظرتهم لهم ، وهو كثير في القرآن ، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر . فأما قوله تعالى: {وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46] فقد ذكرنا معناها في موضعها . وليست في هذا الباب ، ولها معاني قد بيناها.
ثم قال تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} .
أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آله دمن الله ، بل أتيناهم بالبقين ، وهو ما أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الإسلام ، وأن لا يُعبد شيء سوى الله {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك {مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ} في القدم حين ابتدع الأشياء.