وقال الأخفش: سخري إذا أردت من سخرتُ به ففيه لغتان: الضم والكسر. والتي يراد بها السُّخْرة فالضم لا غير، ومن ثمَّ اتفقوا على الضم في التي في الزخرف. وقولهم: اتخذت فلانا سُخريّا وسُخْرة السُّخري مصدر وسُخْرة ليست بمصدر في الهزء ولكنه كقولهم: ضُحْكَةٌ وهُزْأةٌ إذا كان يُضْحك منه. وأما وجه الضم إذا كان من الهزء فإن سَخَرًا فَعَل، وفَعَل وفُعْل يتعاقبان علي الكلمة كالحزن والحزن والبخل والبخل، كما كان فَعَلٌ وفِعْلٌ كذلك، إلا أنَ المضموم خُصَّ بالنسب كما خُصَّ
المكسور به وبقي على حكم المصدر كما بقي عليه المكسور. وإذا ثبت هذا فقوله (سخريا) في القراءتين جميعًا مصدر وصف به ولذلك أفْرد.
قال ابن عباس - في هذه الآية -: يريد يستهزئون بهم.
وقال مقاتل: إنّ رؤوس كفار قريش كانوا يستهزئون من بلال وعمار وخَبَّاب وصهيب وسالم وفقراء العرب، ازْدَرَوْهُم.
قوله: {حَتَّى أَنْسَوْكُمْ} يريد تركتم موعظتي.
وقال مقاتل: ترككم الاستهزاء لا تؤمنون بالقرآن.
قال أبو علي: {أَنْسَوْكُمْ} يجوز أن يكون منقولًا من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون (من) الذي هو خلاف الذكر، واللفظ على أنهم فعلوا بكم النسيان، والمعنى: أنكم أنها المتخذون عبادي سُخْريا نسيتم ذكري باشتغالكم باتخاذكم إيّاهم سخريا وبالضحك منهم. أي: تركتموه من أجل ذلك، فنسب الإنساء إلى عبادِه المخلصين وإن لم يفعلوه لما كانوا كالسبب لإنسائهم، وهذا كقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36] فنسب الإضلال إلى الأصنام لما كانت سببًا في الإضلال.
111 -قوله تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} قال ابن عباس والمفسرون: بما صبروا على أذاكم واستهزائكم.
{أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} وقرئ"إنَّهم"بالكسر.