وأما من أثبت حكمة وتعليلا لا يعودا إلى الخالق بل إلى المخلوق سلكوا طريقة التعويض على تلك الآلام في حق من يبعث للثواب والعقاب، وقالوا: قد يكون في ذلك إثابة لإثابتهم بصبرهم وتألمهم وإثابة لهم وتعويضا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام، فلما أورد عليهم إيلام الحيوانات التي لا تثاب ولا تعاقب.
وأما المثبتون لحقائق أسماء الرب وصفاته وحكمته التي هي وصفه ولأجلها تسمى بالحكيم وعنها صدر خلقه وأمره، فهم أعلم الفرق بهذا الشأن ومسلكهم فيه أصح المسالك وأسلم من التناقض والاضطراب فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل وربطوا ذلك بالأسماء والصفات، فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة، وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة، وأنه من لوازمها وأن لازم الحق حق ولازم العدل عدل، ولوازم الحكمة من الحكمة، فاعلم أن هاهنا أمرين:
نفسا متحركة بالإرادة والاختيار، وطبيعة متحركة بغير الاختيار والإرادة، وأن الشر منشأه من هذين المتحركين، وعن هاتين الحركتين، وخلقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه، فهذه تتحرك لكمالها، وهذه تتحرك لكمالها، وينشأ عن الحركتين خير وشر، كما ينشأ عن حركة الأفلاك والشمس والقمر وحركة الرياح والماء والنار خير وشر، فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول إما لذاتها، وإما لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها.
والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات، وإن قصدت قصد الوسائل واللوازم التي لا بد مها فما جبلت عليه النفس من الحركة هو من لوازم ذاتها، فلا تكون النفس البشرية نفسا إلا بهذا اللازم.
فإذا قيل لم خلقت متحركة على الدوام؟
فهو بمنزلة أن يقال لم كانت النفس نفسا؟ ولم كانت النار نارا؟ والريح ريحا؟
فلو لم يخلق هذا ما كانت نفسا، ولو لم تخلق الطبيعة هكذا ما كانت طبيعة، ولو لم يخلق الإنسان على هذه الصفة والخلقة ما كان إنسانا.
[فصل: في هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِلَاجِ الصَّرَعِ]