« لم أنتزع اللعب من أفواه الرّضّع .. ولم اصطد بالشباك طيور الآلهة ..
« أنا طاهر .. أنا طاهر .. أنا طاهر ..!! »
فالحياة بعد الموت ، والحساب والجزاء ، هي مما يطلبه الإنسان ، ويعيش فيه ، ويعمل له .. ولو لم يكن هناك دين يدعو إليها ، أو شريعة تكشف عنها ..
فكيف إذا جاءت شرائع السماء كلها ، مقررة لها ، كاشفة عنها ، ضاربة الأمثال لها ، مقدمة الحجج والبراهين عليها؟
وخير ما نختم به هذا البحث ، ما قرّره الراغب الأصفهانى ، فِي كتابه:
« تفصيل النشأتين » حيث يقول: « لم ينكر المعاد والنشأة الأخرى ، إلا جماعة من الطبيعيين ، أهملوا أفكارهم ، وجهلوا أقدارهم ، وشغلهم عن التفكير فِي مبدئهم ومنشئهم ، شغفهم بما زيّن لهم من حبّ الشهوات ..
« وأما من كان سويّا ، ولم يمش مكبّا على وجهه ، وتأمل أجزاء العالم ، علم أن أفضلها ذوات الأرواح ، وأفضل ذوات الأرواح ذوات الإرادة والاختيار ،
وأفضل ذوى الإرادة والاختيار ، الناظر فِي العواقب ، وهو الإنسان - فيعلم أن النظر فِي العواقب من خاصية الإنسان ، وأنه - سبحانه - لم يجعل هذه الخاصيّة له ، إلّا لأمر جعله فِي العقبى ، وإلا كان وجود هذه القوة فيه باطلا! « فلو لم يكن للإنسان عاقبة ينتهى إليها غير هذه الحياة الخسيسة ، المملوءة نصبا وهمّا وحزنا ، ولا يكون بعدها حال مضبوطة - لكان أخسّ البهائم أحسن حالا من الإنسان!! فيقتضى هذا أن تكون هذه الحكم الإلهية ، والبدائع الربانية ، التي أظهرها اللّه فِي الإنسان عبثا ، كما نبّه اللّه تعالى بقوله: « أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ » .. فإن إحكام بنية الإنسان ، مع كثيرة بدائعها وعجائبها ، ثم نقضها ، وهدمها من غير معنى سوى ما تشاركه فيه البهائم من الأكل والشرب ، مع ما يشوبه من التعب الذي أغنى عنه الحيوان - سفه » « تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا » .