« إن كائنا - يعني الإنسان - اقتضى تطوّره ملايين السنين ، ليس من المحتمل إطلاقا ، أن يلقى به كما لو كان من سقط المتاع .. وليس إلّا من حيث هو نفس تتزكى باستمرار - يمكن أن ينسب إلى معنى الكون .. « وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » (7 - 10: الشمس) .. وكيف تكون تزكية النفس وتخليصها من الفساد؟ إنما يكون ذلك بالعمل: َبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ »
(1 - 2: الملك) - فالحياة تهيئ مجالا لعمل النفس ، والموت هو أول ابتلاء لنشاطها المركب » .
وننتهى من هذا كله إلى حتمية البعث والحياة بعد الموت ..
وإنه قبل أن تجئ الديانات السماوية ، وقبل أن تقول كلمتها فِي الحياة الآخرة ، قالت الإنسانية كلمتها .. قالتها شعرا ونثرا .. وقالتها شعوذة وفلسفة! وأعدّت نفسها للحساب بين يدي قوة عليا ، بيدها وحدها الجزاء الأوفى لكل عمل ..
ففى الديانات المصرية القديمة مثلا ، كان يحمل الميت معه دفاعا مكتوبا ، يلقيه بين يدي المحاسب العظيم .. وهذا ، مثل من صور هذا الدفاع:
« سلام عليك .. أيها الإله العظيم .. ربّ الصدق والعدالة .. لقد وقفت أمامك يا ربّ ..
« وجئ بي لكى أشاهد ما لديك من جمال!! « أحمل إليك الصدق .. إنى لم أظلم الناس .. لم أظلم الفقراء .. لم أفرض
على رجل حرّ عملا أكثر مما فرض هو على نفسه! « لم أهمل .. ولم أرتكب ما تبغضه الآلهة .. ولم أكن سببا فِي أن يسئ السيد معاملة عبده ..
« لم أمت إنسانا من الجوع .. ولم أبك أحدا .. ولم أقتل إنسانا.
ولم أخن أحدا ..
« لم أرتكب عملا شهوانيا داخل أسوار المعبد المقدس ..
« لم أكفر بالآلهة .. ولم أغشّ فِي الميزان ..