وقد أكرم الله هذه الأمة فجعلها خير أمة أخرجت للناس، وأعطاها وظيفة الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الله.
وجميع الأمم السابقة هي الآن في القبور تنتظر مجيء هذه الأمة، ورحمة بهذه الأمة جعلها الله خير الأمم وآخر الأمم؛ لئلا يطول عليها زمن الانتظار، وجعلها تعمل قليلاً، وتؤجر كثيراً.
وكشف الله لهذه الأمة أعمال وفضائح وأحوال الأمم السابقة مع أنبيائهم؛ لتتعظ وتعتبر بمن خالف أمر الله، وتقتدي بمن أطاع الله ورسله.
وستر عيوب هذه الأمة عن الأمم السابقة.
فما أعظم احتفاء الله بهذه الأمة .. وما أشد عنايته بها .. ! فمتى تشكر هذا التشريف والإكرام؟
والله جل جلاله كما اصطفى المؤمنين على سائر البشر، كذلك اصطفى بيت آل إبراهيم على سائر البيوت.
فهذا البيت المبارك المطهر أشرف بيوت العالم على الإطلاق، فقد جعل الله فيهم النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - نبي إلا من أهل بيته، وجعلهم أئمة يهدون بأمره إلى يوم القيامة.
فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم، واتخذ منهم الخليلين إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام.
وجعل سبحانه صاحب هذا البيت وبانيه إماماً للعالمين كما قال سبحانه:
{قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) } [البقرة: 124] .
وأجرى جل جلاله على يديه بناء بيته العتيق، الذي جعله قياماً للناس، وقبلة لهم، وحجاً لهم إلى يوم القيامة، فكان ظهور هذا البيت وعمارته من أهل هذا البيت الأكرمين.
وأخرج سبحانه من أهل هذا البيت الأمتين العظيمتين، وهم أمة موسى - صلى الله عليه وسلم - وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمة محمد تمام سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله سبحانه، وأبقى عليهم لسان صدق وثناء في العالم، فلا يذكرون إلا بالثناء عليهم، والصلاة والسلام عليهم.
وجعل سبحانه خلاص خلقه من شقاء الدنيا والآخرة على أيدي أهل هذا البيت، فلهم على الناس من النعم ما لا يمكن إحصاؤها ولا جزاؤها، ولهم المنن الجسام في رقاب الأولين والآخرين من أهل السعادة.