وانتقل كتاب الله مرة أخرى إلى عرض آيات الله البارزة في الأنفس والآفاق، الدالة على وجود الله ووحدانيته، وعظيم قدرته وبالغ حكمته، عسى أن يقلع المشركون عن شركهم وكفرهم، ويتراجعوا عن عدوانهم وظلمهم، ويتوبوا إلى بارئهم توبة نصوحا، فقال تعالى: {ألم أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} . على أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى كل إنسان، في أي زمان كان وفي أي مكان، ليتدبر آيات الله في الأنفس والآفاق ويدخل في حظيرة الإيمان.
وقوله تعالى هنا: {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} عقب قوله:
{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} تصوير لما يعقب إنزال المطر من اخضرار الأرض ولو بعد حين، وإذا كانت الفاء ههنا للتعقيب، فإن تعقيب كل شيء بحسبه كما قال ابن كثير، على غرار قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المومنون: 14] ، فقد جاءت"فاء التعقيب"في الانتقال من طور إلى طور آخر، مع أن بين كل طورين من تلك الأطوار أربعين يوما، كما ثبت في الصحيحين. ومن اللطائف في هذا الباب ما ذكره ابن عطية في تفسيره من أنه"شاهد بنفسه في السوس الأقصى أن المطر نزل ليلا بعد قحط، على أرض رملة، نسفتها الرياح، فأصبحت مخضرة ثاني يوم بنبات رقيق".