ثم فسر هذا الحكم والمحكوم عليهم، وفصله بقوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا} بالقرآن ولم يجادلوا فيه، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ؛ أي: الخيرات بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه مستقرون {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} لا يموتون فيها، ولا يخرجون؛ أي: فالذين آمنوا بهذا القرآن وبمن أنزله، وبمن جاء به، وعمل بما فيه من أوامر ونواه، يثيبهم ربهم جنات النعيم، يستمتعون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، جزاء وفاقًا على ما زكوا به أرواحهم، وأخلصوا له في أعمالهم، وراقبوه في السر والعلن، وخافوا عذابه في ذلك اليوم الذي تشيب من هوله الولدان.
57 - {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} ؛ أي: أصروا على ذلك، واستمروا. {فَأُولَئِكَ} مبتدأ خبره جملة قوله: {لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} ؛ أي: عذاب ذو إهانة، يذهب بعزهم وكبرهم رأساً، وبالكلية، ويلحقهم من الخزي والصغار ما لا يحيط به الوصف، وإدخال الفاء في خبر الثاني، دون الأول، تنبيه على أن إثابة المؤمنين بطريق التفضل، لا لإيجاب الأعمال الصالحة إياها وأن عقاب الكافرين بسبب أعمالهم السيئة.
والمعنى: أي والذين كفروا بالله وكذبوا رسوله، وجحدوا بآيات كتابه، وقالوا إنما هو إفك افتراه محمد، وأعانه عليه قوم آخرون، أولئك لهم عذاب عند ربهم، يذلهم، ويخزيهم، كفاء استكبارهم عن النظر فيها، وجحودهم بها عنادًا، وقد كان لهم فيها - لو تأملوا حق التأمل - ما يكون صادًا لهم عن غيهم، ورادعا لهم عن ضلالهم.
واعلم: أن الفصل والحكومة العادلة كائن لا محالة، وإن كان الكفار في شك من القرآن، وما نطق به من البعث، والمجازاة. روي أن لقمان وعظ ابنه وقال: يا بني إن كنت في شك من الموت فادفع عن نفسك النوم، ولن تستطيع ذلك، وإن كنت في شك من البعث، فإذا نمت فادفع عن نفسك الانتباه، ولن تستطيع ذلك، فإنك إذا فكرت في هذا، علمت أن نفسك بيد غيرك، فإن النوم بمنزلة الموت، واليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت، فإذا عرف العبد مولاه قبل أمره، ونال به عزة لا تنقطع أبدًا، وهي عزة الآخرة التي تستصغر عندها عزة الدنيا.