الملك يوم تأْتيهم الساعة أَو عذابها، لله وحده بلا شريك فيه حقيقة أَو صورة، فليس لأَحد فيه تصرف في أَمر من الأُمور، لا حقيقة ولا مجازًا، ولا صورة ولا واقعا، فكل شيءٍ فيه إِلى الله، حتى الشفاعة لا تكون لأَحد: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} فالله تعالى هو الذي يحكم فيه بين عباده، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في دنياهم، مقرهم في جنات النعيم.
57 - {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} :
والذين كفروا في دنياهم وكذبوا بآيات الله الكونية أَو التنزيلية، فأُولئك لهم عذاب دائم الإِهانة والإذلال {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ثم خص الله بعض الفريق الأَول بمزية، وهم المجاهدون في سبيل الله فقال:
58 - {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} :
أَي: والذين هجروا أَوطانهم في سبيل الله تعالى، ثم قتلوا أَثناءَ جهادهم، أَو ماتوا حتف أُنوفهم في هجرتهم بنحو مرض أَو سكتة قلبية، ليرزقنهم الله الذي هجروا أَوطانهم
في سبيله - ليرزقنهم - في الجنة رزقًا فائق الحسن على ما يعطيه سواهم من المؤمنين غير المهاجرين في سبيله، وإِن الله الذي اتجهوا بهجرتهم إِليه لهو خير الرازقين، حيث يعطيهم ما يفوق الخيال، ولا يخطر لهم على بال، ويمنحهم بغير حساب، فهو الذي لا تفنى خزائنه، ولا تنصب موارد نعمه، ولا غاية لفضله وكرمه.
وهذه الآية نزلت في عثمان بن مظعون وأَبي سلمة بن عبد الأَسد، ماتا بالمدينة مهاجِرَيْن، ولم يُقتلا في سبيل الله، فقال بعض المؤمنين: من قتل في سبيل الله أَفضل ممن مات حتف أَنفه، فنزلت هذه الآية مسوِّية بينهما، لأَن كليهما عاهد الله على الموت في سبيله بهجرته لنصرة دينه.