وقد استدل بالآية فُضَالَةُ بن عُبَيْد - وكان أَميرًا بجزيرة رودس - استدل بها على المساواة بينهما في الأَجر، فقد أَخرج ابن أَبي حاتم بسنده، عن أَبي قبيل وربيعة ابن سيف المَعَافِرِيِّ قالا: (كنا بِرُودسَ ومعنا فضالة بن عبيد الأَنْصارى صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمر بجنازتين إِحداهما قتيل والأُخرى متوفَّى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أَرى الناس مالُوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا قتيل في سبيل الله تعالى، فقال: والله ما أُبالى من أَي حضرتيهما بُعِثْتُ، اسمعوا كتاب الله {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا .. } الآية، وكان هذا القتيل قد أُصيب بقذيفة منجنيق كما جاءَ في رواية أُخرى له.
والذي نراه أَن الآية وإِن سوت بينهما في عموم الرزق الحسن والأَجر الجزيل، لكن ذلك لا يمنع من التفاضل بينهما، ويؤَيد هذا التفاضل أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال:"مَنْ أُهْرِيقَ دمه وعُقِرَ جَوَادُهُ"ومنه يعلم أَن من كَان من المهاجرين ولم يجاهد، أو كان من المجاهدين ولكنه لم يكن بهذه الصفة فهو دون من اتصف بها، والله تعالى أَعلم، ثم بيَّن الله الرزق الحسن الذي أَعده لهم فقال:
59 - {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} :
أَي: أَنه تعالى وعد هؤُلاءِ المهاجرين بصنفيهم وعدًا مؤَكدًا لا خلف فيه، أَنه يدخلهم في الجنة منزلا فخما ومقامًا كريما يدخلونه وهم يرضونه ويسعدون به، حيث يجدون فيه ما تشتهيه الأَنفس وتلذ الأَعين على أَعلى مستوى، وإن اللهَ سبحانه لعليم بأَحوال من قضى نحبه, وسال دمه في سبيله, ومن مات معاهدًا ربه على الاستشهاد في نصر دينه، ولكنه في هجرته وجهاده مات حتف أَنفه، دون أَن يحقق أُمنيته في الاستشهاد في سبيل ربه، وكما أَنه تعالى عليم بأَحوالهما، فهو حليم بإِمهال من قاتلهما حتى يأْخذه أَخْذَ عزيز مقتدر، ويذيقه في الآخرة عذاب السعير، أَو يتوب فيتوب الله عليه. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...