والثاني: وهو قول الجمهور أنه استحباب وليس بواجب، وإنما ورد الأمر به لأنه بعد حظر، لأنهم كانواْ في الجاهلية يحرمون أكلها على نفوسهم.
{وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ والْمُعْتَرَّ} فيهم أربعة تأويلات:
أحدها: أن القانع السائل، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل، وهذا قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومنه قول الشماخ:
لمالُ المرء يصلحه فيغني ... مفاقِرَه أعف من القُنُوع
أي من السؤال. والثاني: أن القانع الذي يقنع ولا يسأل، والمعتر الذي يسأل، وهذا قول قتادة، ومنه قول زهير:
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحةُ والبذلُ
والثالث: أن القانع المسكين الطوّاف، والمعتر: الصديق الزائر، وهذا قول زيد بن أسلم، ومنه قول الكميت:
إما اعتياداً وإما اعتراراً ... والرابع: أن القانع الطامع، والمعتر الذي يعتري البُدْنَ ويتعرض للحم لأنه ليس عنده لحم، وهذا قول عكرمة، ومنه قول الشاعر:
على الطارق المعتر يا أم مالك ... إذا ما اعتراني بين قدري وصخرتي
قوله عز وجل: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا}
فيه وجهان:
أحدهما: لن يقبل الله الدماء وإنما يقبل التقوى، وهذا قول علي بن عيسى.
والثاني: معناه لن يصعد إلى الله لحومها ولا دماؤها، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا ذبحوا بُدنهم استقبلوا الكعبة بدمائها فيضجعونها نحو البيت، فأراد المسلمون فعل ذلك، فأنزل الله تعالى: {لَنَ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم} أي يصعد إليه التقوى والعمل الصالح، وهذا قول ابن عباس.
{كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي ذللها لكم يعني الأنعام. {لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} يحتمل وجهين:
أحدهما: يعني التسمية عند الذبح.
والثاني: لتكبروا عند الإِحلال بدلاً من التلبية في الإِحرام.
{عَلَى مَا هَداكُمْ} أي ما أرشدكم إليه من حجكم.
{وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: بالقبول.
والثاني: بالجنة. انتهى انتهى. {النكت والعيون حـ 4 صـ}