فَإِذَا جَازَ اتِّفَاقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيسُونَ وَالزُّهَّادُ وَالْعُبَّادُ وَالْفُقَهَاءُ وَمَنْ ذَكَرْتُهُمْ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَعْبُودِهِمْ وَإِلَهِهِمْ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ عِنْدَهُمْ: الْيَدُ الَّتِي خَلَقَتْ آدَمَ هِيَ الَّتِي بَاشَرَتِ الْمَسَامِيرَ وَنَالَتِ الصَّلْبَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ جَاءَ بِتَكْفِيرِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَنَادَى سِرًّا وَجَهْرًا بِكَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَتْمِهِمْ لَهُ أَقْبَحَ شَتْمٍ، وَكَذِبِهِمْ عَلَى الْمَسِيحِ، وَتَبْدِيلِهِمْ دِينَهُ، وَعَادَاهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَبَرَّأَهُمْ مِنَ الْمَسِيحِ، وَبَرَّأَهُ مِنْهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ وَقُودُ النَّارِ وَحَصَبُ جَهَنَّمَ؟ فَهَذَا أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي اخْتَارُوا لِأَجْلِهَا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ.
فَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، كَذِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ لَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، وَقَدْ نَاظَرْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِبَعْضِهِمْ فَسَادُ مَا هُمْ عَلَيْهِ، قَالُوا: لَوْ دَخَلْنَا فِي الْإِسْلَامِ لَكُنَّا مِنْ أَقَلِّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْبَهُ لَنَا، وَنَحْنُ مُتَحَكِّمُونَ فِي أَهْلِ مِلَّتِنَا فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَنَاصِبِهِمْ وَلَنَا بَيْنَهُمْ أَعْظَمُ الْجَاهِ!، وَهَلْ مَنَعَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ اتِّبَاعِ مُوسَى إِلَّا ذَلِكَ؟!
وَالْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا