كما أخبر بقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] وإنما خلقها من دخان ولم يخلقها من بخار؛ لأن الدخان خلق متماسك الأجزاء يستقر في منتهاه، والبخار كم كمال عمله وحكمته، ثم بعد ذلك مدَّ الزبد على وجه الماء ودحاه فصار أرضاً بقدرته، وذلك قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] ثم نظر إليها بعين الرحمة فجمدت كما جاء في الحديث قوله:"فبحمد بعضها"وهو التذلل في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً} [الملك: 15] وأشار إلى هذه الجملة بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنبياء: 30] في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 15] {كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] .
وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] يشير إلى أنه خلق حياة كل ذي حياة من الحيوانات من الماء الذي عرشه، وذلك أن الجوهرة التي هي مبدأ الموجودات هو الروح الأعظم خلقت أرواح الإنسان والملك من أعلاها، وخلقت أرواح الحيوان والدواب من أسفلها، وهو الماء كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} [النور: 45] وكان ذلك كله بمشهد من الأرواح ولذلك قال تعالى: {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] أي: أفلا يؤمنون بما خلقنا بمشهد من أرواحهم.
وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31] يشير إلى: الأبدال الذين هم أوتاد الأرض وأطوارها، فأهل الأرض بهم يرزقون وبهم يمطرون {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} [الأنبياء: 31] أي: وجعلنا في إرشادهم الفجاج والسبل إلى الله تعالى {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] بهم إلى الله تعالى.