ثم أخبر عن أحوالهم بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً} [الأنبياء: 8] إلى قوله: {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء: 8] يشير إلى الأنبياء والأولياء خلقوا محتاجين إلى الطعام بخلاف الملائكة، وذلك لا يقدح في النبوة والولاية، بل هو من لوازم أحوالهم وتوابع كمالهم، فإن لهم فيه فوائد جمة:
* منها: أن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وهو منبع جميع الصفات النفسانية الشهوانية، وهي مركب الشوق والمحبة التي بها يقطع السالك الصادق المسالك البعاد، ويَعْبُر المحب العاشق مهالك الفراق للوصول إلى كعبة الوصال.
* ومنها: أن أكل الطعام من نتائج الهوى، وهي ميل النفس إلى مشتهياتها والسير إلى الله تعالى بحسب نهي النفس عن الهوى لقوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] ولهذا قال المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله تعالى.
* ومنها: أن من علم الأسماء التي علم الله آدم منوط بأكل الطعام مثل: علم ذوق المذوقات، وعلم التلذذ بالمشتهيات، وعلم لذة الشهوة، وعلم لذة الجوع والعطش، وعلم الشبع والرّي، وعلم هضم الطعام، وعلم الصحة والمرض، وعلم الداء والدواء وأمثاله، والعلوم التي تتعلق به كعلوم الطب بأجمعها، والعلوم التي هي من توابعها كمعرفة الأدوية والحشائش وخواصها وطبائعها وغيرها، اقتصرنا على هذا القدر من الفوائد الجمة، فافهم جيداً.