{قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} [الأنبياء: 5] يعني: كلام المحققين خيالات فاسدة يقول بعض المنكرين: {بَلِ افْتَرَاهُ} [الأنبياء: 5] أي: اختلقه من نفسه، ويدعي أنه من مواهب الحق، وقال بعضهم: {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] أي: يقول ما يقول بحذاقة النفس وقوة الطبع والذكاء، ثم يقول بعضهم إلى بعض: {فَلْيَأْتِنَا} هذا المحقق {بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] بكرامة ظاهرة كما أتى بها المشايخ المتقدمون.
ثم قال الله تعالى: {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ} [الأنبياء: 6] أي: من أهل قرية من المنكرين لمَّا رأوا كرامات أولياء الله {أَهْلَكْنَاهَآ} [الأنبياء: 6] فأهلكناهم بالخذلان والإبعاد {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 6] يصدقون أرباب الحقائق أن يروا كرامة منهم طبعوا على الإنكار مثل المنكرين الهالكين.
{وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7] يشير إلى أنه تعالى يظهر في كل قرن رجالاً بالغين من متابعي الأنبياء، ويخصهم بوحي الإلهام كما أظهر في زمان عيسى عليه السلام الحواريين من متابعيه، وأوحى إليهم كما قال الله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111] ثم قال للمنكرين: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] وهم الذين اهتزوا بذكر الله، ووضع عنهم الذكر أوزار البشرية وأثقال الإنسانية، وتنورت قلوبهم بأنوار الربانية، وتجوهرت أرواحهم بجوهر الذكر فصاروا المذكورين بذكر الله إياهم كما قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] فهم يرون حقائق الأشياء بنور الله تعالى، فالأهل الذكر وأرباب الحقائق: فإنهم يعلمون أحوالهم {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ولا تفهمون رموزهم وإشاراتهم.