إنها حضارات راقية دُفِنَتْ تحت أطباق التراب ، لا نعرف حتى أماكنها . أمّا إنْ أخذت الصلاح المعنوي ، الصلاح المنهجي من الله عز وجل فسوف تحوز به الدنيا والآخرة ؛ ذلك لأن حركة الحياة تحتاج إلى منهج يُنظِّمها: افعل كذا ولا تفعل كذا . وهذا لا يقوم به البشر أمّا ربُّ البشر فهو الذي يعلم ما يُصلحهم ويُشرِّع لهم ما يُسعدهم .
إن منهج الله وحده هو الذي يأمرنا وينهانا ، ويخبرنا بالحلال والحرام ، وعلينا نحن التنفيذ ، وعلى الحكام وأولياء الأمر الممسكين بميزان العدل أنْ يراقبوا مسألة التنفيذ هذه ، فيُولُّوا مَنْ يصلُح للمهمة ، ويقوم بها على أكمل وجه ، وإلا فسد حال المجتمع ، الحاكم يُشرف ويُراقِب ، يُشجِّع العامل ويُعاقب الخامل ، ويضع الرجل المناسب في مكانه المناسب .
فعناصر الصلاح في المجتمع: علماء يُخططون ، وحكام يُنفّذون ، ويديرون الأمور ، وكلمة حاكم مأخوذة من الحكَمة (بالفتح) وهي: اللجام الذي يكبح الفَرس ويُوجِّهها .
لذلك جاء في الحديث الشريف:"مَنْ ولَّى أحداً على جماعة ، وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة".
لماذا؟ لأن ذلك يُشيع الفساد في الأرض ، ويُثبِّط العزائم العالية والهمم القوية حين ترى مَنْ هو أقلّ منك كفاءة يتولّى الأمر ، وتُستبعد أنت .
أما حين تعتد كِفَة الميزان فسوف يجتهد كُلٌّ مِنّا ليصل إلى مكانه المناسب .
إذن: مهمة الحكام وولاة الأمر ترقية المجتمع ، فلا نقول لحاكم مثلاً يُعِدُّ لنا طعاماً ، أو يصنع لنا آلة ، فليستْ هذه مهمته ، ولقد رأينا أحد الأمراء وكان له أرض يزرعها ، يتولاها أحد الموظفين يقولون له (الخُولي) ومهمة الخولي الإشراف والمراقبة .
وفي يوم جاء الأمير ليباشر أرضه ويتفقد أحوالها في صُحْبة الخولي ، وفي أثناء جولتهما بالأرض رأى الخولي قناةً ينسابُ منها الماء حتى أغرق الزرع فنزل وسَدَّ القناة بنفسه .