لكن عمارة الكفار للأرض وتمكينهم للحضارة سَرْعان ما تنزل بهم النكبات ، وتنقلب عليهم حضارتهم ، وها نحن نرى نكبات الأمم المرتقية والمتقدمة وما تعانيه من أمراض اجتماعية مستعصية ، فليست عمارة الأرض اقتصاداً وطعاماً وشراباً وترفاً . ففي السويد - مثلاً - وهي من أعلى دول العالم دَخْلاً ومع ذلك بها أعلى نسبة انتحار ، وأعلى نسبة شذوذ ، وهذه هي المعيشة الضَّنْك التي تحدَّث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى} [طه: 124]
فالضَّنْك لا يعني فقط الفقر والحاجة ، إنما له صور أخرى كثيرة .
إذن: لا تَقِسْ مستوى التحضُّر بالماديات فحسب ، إنما خُذْ في حُسبانك كُلَّ النواحي الأخرى ، فمَنْ أتقن النواحي المادية الدنيوية أخذها وترف بها في الدينا ، أمّا الصلاح الديني والخُلقي والقِيَمي فهو سبيل لترف الدنيا ونعيم الآخرة .
وهكذا تشمل الآية: {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون} [الأنبياء: 105] الصلاح المادي الدنيوي ، والصلاح المعنوي الأخروي ، فإنْ أخذتَ الصلاح مُطلقاً بلا إيمان ، فإنك ستجد ثمرته إلى حين ، ثم ينقلب عليك ، فأين أصحاب الحضارات القديمة من عاد وثمود والفراعنة؟
إن كُلَّ هذه الحضارات مع ما وصلتْ إليه ما أمكنها أن تحتفظ لنفسها بالدوام ، فزالتْ وبادتْ .
يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد * التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد * وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد} [الفجر: 6 - 10] .