الإشارة في قوله {هذا} للقرآن العظيم ، الذي منه هذه السورة الكريمة. والبلاغ: الكفاية ، وما تبلغ به البغية. وما ذكره هنا من أن هذا القرآن فيه الكفاية للعابدين ، وما يبلغون به بغيتهم ، أي من خير الدنيا والآخرة ذكره في غير هذا الموضع. كقوله: {هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب} [إبراهيم: 52] وخص القوم العابدين بذلك لأنهم هم المنتفعون به.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) }
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أر سل هذا النَّبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم. لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلاً قال: لو فجر الله عيناً للخلق غزيرة الماء ، سهلة التناول. فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك ، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل. فضيعوا نصيبهم من تلك العين ، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله ، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار} [إبراهيم: 28] . وقيل: كونه رحمة للكفار من حيث إن عقوبتهم أخرت بسببه ، وأمنوا به عذاب الاسئتصال. والأول أظهر.