فما يعنينا في قصة ذي القرنين أنه رجل مُكِّن في الأرض ، وكان من صفاته كذا وكذا ، وما يعنينا من أهل الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم وتمسَّكوا بدينهم وعقيدتهم وضَحَّوْا في سبيلها ، لا يهمنا الأشخاص ولا الزمان ولا المكان ولا العدد .
لذلك ؛ أبهم القرآن كل هذه المسائل ، فأيّ فتية ، في أيّ زمان ، وفي أيِّ مكان ، وبأيِّ أسماء يمكن أن يقفوا هذا الموقف الإيماني ، ولو شخَّصناهم وعيَّناهم لَقالَ الناس: إنها حادثة خاصة بهؤلاء ، أو أنهم نماذج لا تتكرر ؛ لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأُسْوة تسير في الزمان كله .
كذلك ، لما أراد القرآن أنْ يضرب مثلاً للذين كفروا ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ولم يُعيِّنهما ، وكذلك ضرب مثلاً للذين آمنوا بامرأة فرعون ولم يذكر مَنْ هي ، فالغرض من ضَرْب هذه الأمثال ليس الأشخاص ، إنما لنعلم أن للمرأة حريةَ العقيدة واستقلاليةَ الرأي ، فليست هي تابعة لأحد ، بدليل أن نوحاً ولوطاً لم يتمكَّن كل منهما من هداية امرأته .
وفرعون الكافر الذي ادَّعَى الألوهية ، لم يستطع أن يمنع زوجته من الإيمان ، وهي قالت: {رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين} [التحريم: 11] .
إذن: ما يعنينا في قصة"ذي القرنين"أن الله مكَّن له في الأرض وأعطاه كُلَّ أسباب القوة والسيطرة ؛ لذلك ائتمنه أنْ يكونَ ميزاناً للخير وللحق ، وفوَّضَهُ أن يقضي في الخَلْق بما يراه من الحق والعدل . {حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86] .
لأننا مكَّنَّاه وفوَّضناه ، فاستعمل التمكين في موضعه ، وأخذ الأمانة بحقَِّها ، فقال: