فإن قيل: فما الحكمة في ابتلائه بالدود؟ [1]
فالجواب: لأن المريضَ الَّذي أبعده عن بابه كان به هذا المرض، فاستقذره، فابتلي بمثل ذلك.
فإن قيل: فلم ابتلاه أولًا بأخذ المال ثم بالولد ثم بالنفس؟
فالجواب: لأن المال وقاية الولد، والولد وقاية النفس، والنفس وقاية القلب.
وقال وهب: ولما رأى أولئك النفر الثلاثة حاله هجروه واتهموه وجاؤوا إليه فأنَّبوه ولاموه، وقالوا: تبْ إلى الله فقد أذنبتَ ذنبًا عظيمًا، وكان معهم فتى حديث السن، وكانوا هم كهولًا، فقال الفتى: أيها الكهول، لقد كان لأيوب عليكم من الحقوق ما يوجب ترك كلامكم له، فهل تدرون حرمةَ من انتهكتم ومن الَّذي اتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب صفوة الله وخيرته من خلقه؟ فإن كان ما نزل به من البلاء هو الَّذي نَقَصَ منزلته عندكم فإن الله يبتلي الصدّيقين والنبيين والشهداءَ والصالحين ليكونوا أئمة للصابرين وعظةً للعابدين، وليس ذلك لسخطه عليهم ولا لهوانهم عليه، ولكنها كرامة أكرمهم بها، وقد كان الواجب أن تساعدوه وترحموه وتبكوا معه لا أن تعيّروه وتوبخوه. فبكى أيوب وقال: إن الله يزرع الحكمة في قلب من يشاء وليستْ الحكمة بكبر السنِّ وطول التجربة.
ثم أقبل أيوب على الثلاثة وقال: أتيتموني مؤنبين ظالمين مُبَكِّتين، لقد أعجبتكم نفوسعكم وظننتم أنكم ناجون من البلاء، تالله لقد اعتديتم وجُرتم، ولو أنصفتم لوجدتم
لكم ذنوبًا سترها الله عليكم بالعافية التي البسكم، ولقد كنتم فيما مضى توقرونني وتسمعون كلامي وتعرفون حقي، فأصبحتم اليوم أشدَّ عليَّ من مصيبتي، وذكر كلامًا طويلًا، ثم أعرض عنهم وسجد وقال: إلهي لأيِّ شيء خلقتني؟ ليتك لمّا كرهتني لم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة، يا ليتني كنت نسيًا منسيًا، ويا ليتني لم تلدني أمي، وذكر الثعلبي عن وهب كلامًا طويلًا أعرضت عنه لأن فيه نوعَ اعتراضٍ.
[1] لم يصح ولم يثبت، والله أعلم.