قال النحاس: إنما قضى داود بالغنم لصاحب الحرث، لأن ثمنها كان قريباً منه، وأما في حكم سليمان فقد قيل كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء، قال جماعة من العلماء: إن داود حكم بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي، وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف وهكذا ما ذكروه في اختلاف المجتهدين، وهل كل مجتهد مصيب؟ أو الحق مع واحد؟.
وقد استدل المستدلون بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب ولا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ، وأما كون كل واحد منهما مصيباً فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها بل صرح الحديث المتفق عليه في الصحيحين وغيرهما"أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر"فسماه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يقال أنه مصيب لحكم الله موافق له فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين، وإلا لزم توقف حكمه عز وجل على اجتهادات المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله.
وأيضاً يستلزم أن تكون العين التي اختلف فيها اجتهاد المجتهدين بالحل والحرمة حلالاً وحراماً في حكم الله سبحانه، وهذا اللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله؛ وأيضاً يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد، له اجتهاده في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه فيها إلا بانقطاع المجتهدين، واللازم باطل فالملزوم مثله.
والحاصل أن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة، لكن لا يصرون على الخطأ كما رجع داود هنا إلى حكم سليمان لما ظهر له أنه الصواب. وقد أوضح الشوكاني هذه المسألة بما لا مزيد عليه في القول المفيد وأدب الطلب، فمن أحب الوقوف على تحقيق الحق فليرجع إليهما وإلى المؤلف الذي سميناه حصول المأمول من علم الأصول، وإلى كتابنا الجنة في الأسوة الحسن بالسنة، ففيهما ما يغني عن غيرهما.