وقرئ: (أَهُسُّ) بضم الهاء وبالسين مهملة، على معنى: أسوق بها على غنمي. يقال: رجل هَسَّاسٌ، أي: سَوَّاقٌ، قاله أبو الفتح، ثم قال: فإن قلت: فكيف قال: (أهس بها على غنمي) ؟ وهلا قال: أهس بها غنمي، كقولك: أسوق بها غنمي. قيل: لما دخل السَّوقُ معنى الانتحاء والميل استعمل معها (على) حملًا على المعنى، انتهى كلامه.
وقوله: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} المآرب: جمع مأربة بالحركات الثلاث في الراء، وهي الحاجة، ووحد {أُخْرَى} على تأنيث الجماعة، لأن مآرب في معنى جماعة، وقد ذكر عند قوله: {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} والمعنى: ولي فيها حاجات أخر سوى التوكؤ والهش.
وقوله: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} (إذا) للمفاجأة مكانية، و {هِيَ} مبتدأ، و {حَيَّةٌ} خبره، و {تَسْعَى} صفة لحية، أو خبر بعد خبر، لا حال كما زعم بعضهم. والسعي: الإسراع في المشي.
{قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) } :
قوله عز وجل: {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} والسِّيرة من السير، كالرِّكْبة من الركوب، يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقل إلى معنى المذهب والطريقة. وقيل: سِيَرُ الأولين. فإذا فهم هذا فقوله عز وجل: {سِيرَتَهَا} ، في إعرابها أوجه:
أحدها: بدل من الضمير في {سَنُعِيدُهَا} ، وهو بدل الاشتمال.
والثاني: مفعول ثان، على تقدير حذف حرف الجر وإفضاء الفعل إليه، وأعاد على هذا منقول من عاده بمعنى: عاد إليه، فيتعدى إلى مفعولين، أي: سنعيدها إلى سيرتها الأولى، أي: سنعيدها عصًا كما كانت.
والثالث: ظرف، أي: سنعيدها إلى طريقتها الأولى، أي: في حال ما كانت عصا.
والرابع: نصب بفعل مضمر، أي: تسير سيرتها الأولى، فيكون قوله: {سَنُعِيدُهَا} مستقلًا بنفسه غير متعلق بسيرتها، بمعنى: أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها أولًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا.
ويجب على هذا أن يوقف على {سَنُعِيدُهَا} وقفة خفيفة لئلا يظن ظان أن السيرة متعلقة بما قبلها.