قوله عز وجل: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} (ما) استفهام بمعنى التقدير والتنبيه على المعجزة، وموضعه رفع بالابتداء، و {تِلْكَ} خبره، وهي موصولة عند أبي إسحاق. وقوله: {بِيَمِينِكَ} صلة لها، أي: ما التي استقرت بيمينك؟ وعند غيره: بمعنى هذه، و {بِيَمِينِكَ} حال، والعامل فيها معنى التنبيه أو الإشارة، كقوله: {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} أي: وما تلك ثابتة أو مستقرة بيمنك.
وقوله: {عَصَايَ} الجمهور على إثبات الألف وفتح الياء وهو الوجه، وقرئ: (عصايِ) بكسر الياء، والقول فيها كالقول في قوله: (بمصرخيّ) على قراءة حمزة.
وقرئ: (عَصَيَّ) على لغة هذيل، وقد مضى الكلام عليها في البقرة عند قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} بأشبع ما يكون.
وقوله: {أَتَوَكَّأُ} يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا بعد خبر. وقيل: في موضع الحال من الياء أو من العصا، وليس بالمتين لعدم العامل إلا على تأويل وتعسف. والمعنى: أعتمد عليها إذا مشيت، أو وقفت على رأس القطيع. والتَّوَكُؤ على العصا: التحامل عليها عند المشي وعند الوثبة.
وقوله: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} الجمهور على ضم الهاء مع شين معجمة على معنى: أخبط بها الورق على رؤوس غنمي لتأكله، يقال: هش الورق يهشه هَشًّا، إذا خبطه بعصا ليتحاتَّ. قال الراجز:
432 -أَهُشُّ بالعَصَا عَلَى أَغْنَامِي ... مِنْ نَاعِمِ الأَرَاكِ والبَشَامِ
وقرئ: (أَهِشُّ) بكسر الهاء والشين معجمة بحالها. قيل: هما لغتان بمعنى، جيء به على فَعَلَ يَفْعِلُ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر وإن كان مضاعفًا ومتعديًا، وله نظائر في اللغة نحو: هَرَّ الشيء يَهِرُّه ويَهُرُّه، إذا كرهه. وشَدَّ الحبل يَشدُّه وَيَشِدُّه. وتَمَّ الحديث يَتُمُّه ويَتِمُّه، وفي أحرف سوى هذه، فلذلك يكون أهِش بكسر الهاء بمعنى أهُش بضمها, وليس قول من قال: معناه: أكسر بها على غنمي عادِيَتَها، من قولك: هششت الخبزَ، إذا كسرته بعد يبس بمستقيم, لأنه لا يقال: هششت الخبز، إنما يقال: هش الخيز يَهِشُّ هَشًّا، إذا كان يتكسر لهشاشته. ولم يذكر أحد من أهل اللغة فيما اطلعت عليه تعدية الهش، فاعرفه.