أحدهما: أسترها، وعلم الساعة مستور عن الخلائق. واختلف في تقديره ومعناه، فقيل: أكاد أُخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها، كقوله: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} . وقيل: أكاد أخفيها من نفسي، فكيف أظهرها عليكم؟ وكذا هي في بعض المصاحف، وهذا مبالغة في كتمان الشيء، تقول العرب: كتمت هذا الشيء حتى من نفسي، أي: لم أُطلع عليه أحدًا، ومعنى الآية: أن الله تعالى بالغَ في إخفاء الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب، والنكتة في إخفائها: التهويل والتخويف, لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة، كانوا على حذر منها كل حين وأوان.
والثاني: أظهرها، وأُنشد لامرئ القيس:
431 -فَإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لَا نُخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لَا تَقْعُدِ
بضم النون من (نُخفه) عن أبي عبيدة، قال: أنشدنيه أبو
الخطاب، أي: إنْ تدفنوا الداء لا نظهره. وأنشده الفراء بفتح النون.
وقرئ: (أَخفيها) بفتحها، وفيه الوجهان.
أبو علي: الهمزة للسلب، أي: أكاد أسلب خفاءها، أي غطاءها، والخفاء ما تُلَفُّ فيه القِربة، ومثله: أشكيت الرجل، إذا أزلت عنه ما يشكوه.
و (كاد) هنا على بابها، وقيل: هي هنا بمعنى أريده. وقيل: مزيدة. والوجه ما ذكرت وعليه الجمهور.
وقوله: {لِتُجْزَى} فيه وجهان:
أحدهما: من صلة الإتيان، والتقدير: إن الساعة آتية لتجزى كل نفس بسعيها، أو بالذي تسعى فيه {أَكَادُ أُخْفِيهَا} .
والثاني: من صلة الإخفاء، أو الخفي، على قول من جعله بمعنى الإظهار, لأنها إذا لم تظهر لم يكن هناك جزاء، وإنَّما الجزاء مع ظهورها، وعن أبي حاتم: لفظه لفظ كي، وتقديره القسم، أي: لَتُجْزَيَنَّ.
وقوله: {فَتَرْدَى} فيه وجهان، أحدهما: منصوب على جواب النهي بالفاء. والثاني: مرفوع على تقدير: فإذا أنت تردى، والردى: الهلاك.
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) } :