الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِتْنَةَ تَشْدِيدُ الْمِحْنَةِ، يُقَالُ فُتِنَ فُلَانٌ عَنْ دِينِهِ إِذَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْمِحْنَةُ حَتَّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قَالَ تَعَالَى: (فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ) [الْعَنْكَبُوتِ: 10] وَقَالَ تَعَالَى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) [الْعَنْكَبُوتِ: 1 - 3] وَقَالَ: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ) [الْبَقَرَةِ: 214] فَالزَّلْزَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ وَمَسُّ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ هِيَ الْفِتْنَةُ وَالْفُتُونُ، وَلَمَّا كَانَ التَّشْدِيدُ فِي الْمِحْنَةِ مِمَّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوَابِ لَا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ.
وثانيها: (فَتَنَّاكَ فُتُونًا) أَيْ خَلَّصْنَاكَ تَخْلِيصًا مِنْ قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الْفِضَّةِ إِذَا أَرَدْتَ تَخْلِيصَهُ وَسَأَلَ سعيد بن جبير ابن عَبَّاسٍ عَنِ الْفُتُونِ فَقَالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهَارًا يَا ابْنَ جُبَيْرٍ.