[678] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [طه: 74] والموت والحياة صفتان من صفات الإنسان وهما نقيضان، فكيف يرتفعان؟
قلنا: المراد لا يموت فيها موتا يستريح به، ولا يحيا حياة تنفعه ويستلذ بها.
الثاني: أن المراد لا يموت فيها موتا متصلا ولا يحيا حياة متصلة؛ بل كلما مات من شدة العذاب أعيد حيّا؛ ليذوق العذاب هكذا سبعين مرة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا.
[679] فإن قيل: الخوف والخشية واحد في اللغة، فكيف قال تعالى: (لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى) [طه: 77] ؟
قلنا: معناه لا تخاف دركا: أي لحاقا من فرعون، ولا تخشى غرقا في البحر، كما تقول: لا تخاف زيدا ولا تخشى عمرا، ولو قلت ولا عمرا صح وكان أوجز، ولكن إذا أعدت الفعل كان آكد. وأما في الآية فلما لم يكن مفعول الخشية مذكورا ذكر الفعل ثانيا ليكون دليلا عليه، وخولف بين اللفظين رعاية للبلاغة.
وقيل معناه: لا تخاف دركا على نفسك، ولا تخشى دركا على قومك. والأول عندي أرجح.
[680] فإن قيل: قوله تعالى: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ) [طه: 79] يغني عن قوله تعالى: (وَما هَدى) [طه: 79] ومفيد فوق فائدته فكيف ذكر معه؟
قلنا: معناه: وما هداهم بعد ما أضلهم، فإن المضل قد يهدي بعد إضلاله.
الثاني: أن معناه: وأضل قومه وما هدى نفسه.
الثالث: أن معناه: وأضل فرعون قومه عن الدين وما هداهم طريقا في البحر.
الرابع: أن قوله: (وَما هَدى) [طه: 79] تهكم به في قوله لقومه (وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) [غافر: 40] .
[681] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) [طه: 80] أضاف المواعدة إليهم، والمواعدة إنما كانت لموسى عليه السلام، واعده الله تعالى جانب الطور الأيمن لإتيانه التوراة؟
قلنا: المواعدة وإن كانت لموسى عليه السلام ولكنها لما كانت لإنزال كتاب بسبب بني إسرائيل، وفيه بيان شريعتهم وأحكامهم وصلاح معاشهم ومعادهم، أضيفت إليهم المواعدة بهذه الملابسة والاتصال.