الثاني: أنه إنما عدد فوائدها وبين حاجته إليها خوفا من أن يؤمر بإلقائها كما أمر بإلقاء النعلين!! الثالث: أنه ذكر ذلك لئلا ينسب إلى العبث في حملها.
[674] فإن قيل: قد نقل أنها كانت تضيء له بالليل وتدفع عنه الهوام، وتثمر له إذا اشتهى الثمار فيغرسها في الأرض فتثمر من ساعتها، ويركزها فينبع الماء من مركزها، فإذا رفعها نضب، وكان يستقي بها فتطول بطول البئر وتقصر بقصرها، فهلا عدد هذه المنافع.
قلنا: كره أن يشتغل عن سماع كلام الله تعالى بتفصيل منافعها، ففصل البعض وأجمل الباقي بقوله: (( وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) [طه: 18] والله أعلم بما أجمله.
الثاني: أنه ذكر المنافع التي هي ألزم له وحاجته إليها أمس، وإن كانت المنافع التي أجملها أعجب وأغرب.
[675] فإن قيل: قد ذكر الله تعالى عصا موسى عليه السلام بلفظ الحية والثعبان والجان، وبين الثعبان والجان تناف؛ لأن الجان الحية الصغيرة كذا قاله ابن عرفة، والثعبان الحية العظيمة، كذا نقله الأزهري عن الزجاج وقطرب.
قلنا: أراد أنها في صورة الثعبان العظيم وخفة الحية الصغيرة وحركتها ويؤيد قوله: (فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ) [النمل: 10] .
الثاني: أنها كانت في أوّل انقلابها تنقلب حية صغيرة صفراء دقيقة ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا، فأريد بالجان أول حالها، وبالثعبان مآلها.
[676] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى) [طه: 38] وهذا لا بيان فيه، لأنه مجمل، فما فائدته؟
قلنا: فائدته الإشارة إلى أنه ليس كل الأمور مما يوحى إلى النساء كالنبوة ونحوها؛ بل بعضها.
الثاني: أنه للتأكيد كقوله تعالى: (فَغَشَّاها ما غَشَّى) [النجم: 54] كأنه قال: (إذ أوحينا إلى أمك إيحاء.
الثالث: أنه أبهمه أولا للتفخيم والتعظيم، ثم بينه وأوضحه بقوله تعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ) [طه: 39] الآية.
[677] فإن قيل: كيف قدم هارون على موسى عليهما السلام في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) [طه: 70] وهارون كان وزيرا لموسى عليهما السلام وتبعا له، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً) [الفرقان: 35] .
قلنا: إنما قدمه ليقع موسى مؤخرا في اللفظ فيناسب الفواصل أعني رءوس الآيات.