والمعنى: أقد بلغ من عظمة الشأن، إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به العلم الخبير، حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالًا وولدًا، وأقسم عليه {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} على ذلك؛ أي: أو اتخذ من عالم الغيب عهدًا بذلك، فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين: علم الغيب، وعهد من عالمه، وقيل، العهد: كلمة الشهادة والعمل الصالح، فإن وعد الله بالثواب عليهما كالعهد الموثق عليه فمعنى {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} ؛ أي: أم قال: لا إله إلا الله فأرحمه بها، أو أم قدم عملًا صالحًا فهو يرجوه، وقيل: المعنى انظر في اللوح المحفوظ {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} .
وقرأ الجمهور، وابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عامر: {وَلَدًا} أربعتهن هنا وفي الزخرف {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} بفتح الواو واللام، ويأتي الخلاف في الذي في نوح {لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ} وقرأ حمزة، والكسائي، وابن أبي ليلى، وابن عيسى الأصبهاني: بضم الواو وإسكان اللام، وقال الفراء: وهما لغتان كالعدم والعدم، والعرب والعرب، وليس بجمع وقيل: يجعل الولد بالضم جمعًا، والولد بالفتح واحدًا.
فعلى قراءة الجمهور: يكون المعنى على الجنس، لا ملحوظًا فيه الإفراد، وإن كان مفرد اللفظ، وعلى قراءة غيرهم، فقيل: هو جمع كأَسَدْ وأُسْد، واحتج قائل ذلك بقول الشاعر:
وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرَاً ... قَدْ ثَمَّرُوْا مَالًا وَوُلْدا
وقيل: هو مرادف للولد بالفتحتين، واحتجوا بقوله:
فَلَيْتَ فُلاَنَاً كَانَ فِيْ بَطْنِ أُمِّهِ ... وَلَيْتَ فُلاَنَاً كَانْ وَلَدَ حِمَارِ
وقرأ عبد الله، ويحيى بن يعمر: بكسر الواو وسكون اللام، والهمزة: في {أَطَّلَعَ} للاستفهام ولذلك عادلتها {أَمِ} وقرئ: بكسر الهمزة في الإبتداء وحذفها في الوصل، على تقدير: حذف همزة الاستفهام لدلالة {أَمِ} عليها كقوله:
بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
يريد أبسبعٍ.
وقصارى ذلك: أوقد بلغ من عظم شأنه، أن ارتقى إلى علم الغيب الذي انفرد به الواحد القهار، أم أعطاه الله عهدًا موثقًا، وقال له: إن ذلك كائن لا محالة،