والقرآن حين يدعوهم إلى النظر في عاقبة من قبلهم {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} [مريم: 74] فإنما يحثُّهم على أخْذ العِبْرة والعِظَة ممَّنْ سبقوهم ، ويستدل بواقع شيء حاضر على صِدْق غيْبٍ آتٍ ، فالحضارات التي سبقتهم والتي لم يوجد مثلها في البلاد ، وكان من صفاتها كذا وكذا ، ماذا حدث لهم؟ فهل أنتم أشدّ منهم قوة؟ وهل تمنعون عن أنفسكم ما نزل بغيركم من المكذِّبين؟
هذا من ناحية الواقع ، أما الغيب فيعرض له القرآن في مشهد آخر ، حيث يقول تعالى: {إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} [المطفيين: 2933] .
هذا المشهد في الدنيا ، فما بالهم في الآخرة؟: {فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ} [المطففين: 3435] .
ثم يخاطب الحق سبحانه وتعالى المؤمنين فيقول: {هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 36] .
يعني: بعد ما رأيتموه من عذابهم ، هل قدرنا أنْ نُجازيهم عَمَّا فعلوه بكم من استهزاء في الدنيا؟ وعلى كُلٍّ فإن استهزاءهم بكم في الدنيا موقوت الأجل ، أما ضِحْككم الآن عليهم فأمر أبديّ لا نهايةَ له . فأيُّ الفريقين خَيْر إذن؟
فإياكم أنْ تغرّكم ظواهر الأشياء ، أو تخدعكم بَرقات النعيم وانظروا إلى الغايات والنهايات ؛ لذلك يقول سبحانه:
{المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46] .