وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبوت: 24] .
وهكذا اتفقوا على الإحراق ، ونجَّى الله نبيه وخيَّب سَعْيهم ، ثم كانت الغاية في الآخرة: {وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مِّن دُونِ الله أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدنيا ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] .
فكان عليهم ألاَّ ينظروا إلى الوسيلة منفصلةً عن غايتها .
وهنا يردُّ الحق تبارك وتعالى على هؤلاء المغترِّين بنعمة الله:
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} [مريم: 74] وكما قال في آيات أخرى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد * التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد * وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد} [الفجر: 610] .
وهلاك هؤلاء وأمثالهم سَهْل لا يكلف الحق سبحانه إلا أنْ تهُبَّ عليهم عواصف الرمال ، فتطمس حضارتهم ، وتجعهلم أثراً بعد عَيْن .
فدعاهم إلى النظر في التاريخ ، والتأمّل في عاقبة أمثالهم من الكفرة والمكذبين ، وما عساه أنْ يُغني عنهم من المقام والنديّ الذي يتباهون به ، وهل وسائل الدنيا هذه تدفع عنهم الغاية التي تنتظرهم في الآخرة؟
وكأن الحق تبارك وتعالى لا يردّ عليهم بكلام نظري يقول: إن عاقبتكم كذا وكذا من العذاب ، بل يعطيهم مثالاً من الواقع .
ويخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ} [غافر: 77] أي: من القهر والهزيمة والانكسار {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] فمَنْ أفلت من عذاب الدنيا ، فلن يفلت من عذاب الآخرة .